حسن حسني عبد الوهاب

235

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

قفيز من الطعام ، فقيل له في ذلك فقال : " نفرح إذا فرح الناس ونحزن إذا حزن الناس " . ومرّت به امرأتان وهو جالس حذو داره فقالت إحداهما : هذا البهلول فقالت لها الأخرى ولم تكن تعرفه قبل : لئن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ؟ فقال البهلول وقد سمعها : هذه امرأة عرفتني . وقال له رجل يوما : يا مرائي ؟ فقال له البهلول : قد أخبرت نفسي بذلك فأبت عليّ ولم تقبل ، فاجتمع عليها الآن شهادتك وعلمي بها ، فشهادة اثنين خير من واحد . وأقبل هرثمة بن أعين أمير إفريقية مرّة في موكبه حتى انتهى إلى مسجد البهلول بن راشد . والبهلول مسند ظهره إلى عمود بإزاء باب المسجد فانحنى هرثمة في السرج وقال لبعض من معه : ادفع إليه هذا المزود بالدراهم . وقل له : قال لك الأمير : فرّقها على من تراه أهلا ، فجاء إليه الرسول وبلّغه المقالة ، فقال له البهلول : " الأمير أقوى منّي على تفريقها " . ودارت على البهلول محنة في آخر أيامه على يد محمد العكّي أمير إفريقية وقد قيل له : إنه يقع في سلطانك ، ويضعف عند الناس أمرك ، فأمر بالقبض عليه فتحاشد الناس لتخليصه من الأعوان ، فزاد ذلك حنقا عليه وأخرج العكّي الأجناد لتفريق الناس . وأمر بتجريد البهلول وضربه بالسياط نحو العشرين ، وحبسه ووضع رجليه في القيد ، ومما حرك عليه الغضب أيضا هو أن العكّي كان يهادي ملك الإفرنج ( وهو شارلمان أوكرلوس الكبير ) فوجّه إليه هذا الملك يطلب إسعافه بسلاح وحديد ونحاس ، فلما أراد العكّي إرسال ذلك عارضه البهلول ووعظه بأن ذلك لا يجوز له ، فحقدها عليه . وقد ندم العكّي بعد ذلك على فعله . وأرسل إلى البهلول بثياب فاخرة وكيس مال لم يقبلهما منه البهلول ، فلما أبى طلب منه أن يجعله في حلّ مما فرط منه ، فأجابه البهلول : " ما وقع عليّ سوط إلا وأنا أستغفر لك اللّه يا بائس " وقد برئ الضرب الذي ضرب إلّا أثر سوط واحد تنغّل وصار قرحة فكان سببا في موته رحمه اللّه تعالى .